
لم تكن الأميرة فاطمة إسماعيل مجرد ابنة لأحد أعظم حكام مصر في القرن التاسع عشر، بل كانت نموذجًا نادرًا للمرأة التي اختارت أن تخلّد اسمها بالعلم والعمل الخيري، لا بالبذخ والقصور وحدها. فهي ابنة الخديوي إسماعيل من زوجته شهرت فزا هانم، وشقيقة الأميرة توحيدة، والأخت غير الشقيقة لكل من الخديوي توفيق، والسلطان حسين كامل، والملك فؤاد الأول. وُلدت في الثالث من يونيو عام 1853، في زمن كانت فيه مصر تخطو خطوات متعثرة نحو التحديث.
في عام 1873، تزوجت الأميرة فاطمة من الأمير محمد طوسون، نجل والي مصر محمد سعيد باشا، وأنجبت منه ولدها جميل طوسون وابنتها الأميرة عصمت. غير أن الحياة لم تمهل هذا الزواج طويلًا، إذ توفي الأمير محمد طوسون، لتدخل الأميرة فاطمة مرحلة جديدة من حياتها. وفي عام 1888، تزوجت من محمود سري باشا، وأنجبت منه ثلاثة أبناء وبنتًا، لتجمع بين أدوار الأميرة والزوجة والأم، في بيت كان يعج بالمسؤوليات والمكانة الاجتماعية الرفيعة.
اشتهرت الأميرة فاطمة إسماعيل بثروة طائلة ومجوهرات أسطورية، حتى قيل إن حُليّها كانت تُحمل بواسطة عدد من الخدم، وأن ملابسها كانت مرصعة بكميات هائلة من الأحجار الكريمة. غير أن ما ميزها حقًا لم يكن ما تملك، بل ما قررت أن تتخلى عنه طواعية. ففي لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث، اتخذت قرارًا سيخلّد اسمها إلى الأبد: التبرع بأرضها ومجوهراتها من أجل إنشاء جامعة مصرية حديثة.
كانت الأميرة فاطمة صاحبة الفضل الأكبر في بناء جامعة القاهرة، إذ تبرعت بالأرض التي أُقيمت عليها الجامعة، وقدمت مجوهراتها الثمينة لتمويل المشروع، إيمانًا منها بأن نهضة الأمم لا تقوم إلا بالعلم. لم يكن هذا العطاء مجرد تبرع عابر، بل رؤية واعية لمستقبل مصر، في وقت كان التعليم العالي حكرًا على القلة.
عرفانًا بدورها الوطني، وضعت جامعة القاهرة تمثالًا للأميرة فاطمة إسماعيل داخل القبة الرئيسية، كما خُلد اسمها بلوحة رخامية داخل كلية الآداب، كُتب عليها: «ذكرى عطرة للأميرة فاطمة إسماعيل التي أسهمت في بناء الكلية»، حيث كان لها إسهام بارز في تأسيس كلية الآداب على وجه الخصوص. ولم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد، إذ تبرعت بقصرها ليصبح مقرًا للمتحف الزراعي المصري، الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم.
رحلت الأميرة فاطمة إسماعيل في 18 نوفمبر عام 1920، قبل أن تشهد افتتاح جامعة القاهرة التي أسهمت في بنائها، كما تنازلت عن ممتلكات تجاوزت ثلاثين فدانًا، تحولت لاحقًا إلى منطقة الدقي، التي كانت تُعرف قديمًا باسمها. وبرحيلها، فقدت مصر أميرة استثنائية، أحبّت الوطن والعلم، وخلّدت سيرتها في ذاكرة التاريخ، لتبقى رمزًا للعطاء الذي لا يزول.






